ابن أبي أصيبعة
251
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
بالبارئ سبحانه وعبادتهم الأوثان من دونه . والحال التي أوجب علىّ القتل عندهم ، هي معي حيث توجهت . وإنّي لا أدع نصرة الحق والطعن على الباطل والمبطلين حيث كنت ، وأهل رومية أبعد منى رحما من أهل مدينتى . فهذا الأمر إذا كان باعثه على الحق ونصرة الحق حيث كنت توجهت ، فغير مأمون هناك علىّ مثل الذي أنا فيه . قال له أقريطون : فتذكر ولدك وعيالك [ وما يخاف ] « 1 » عليهم من الضيعة . فقال له : الذي يلحقهم برومية مثل ذلك ، إلا أنكم هاهنا ، فهم أحرى أن لا يضيعوا معكم . ولما كان اليوم الثالث ، بكر تلاميذه إليه على العادة ، وجاء قيم السجن ففتح الباب ، وجاء القضاة الأحد عشر ، فدخلوا إليه وأقاموا مليا ، ثم خرجوا من عنده وقد أزالوا الحديد عن رجليه ، وخرج السجان إلى تلاميذه ، فأدخل « 2 » بهم إليه فسلموا عليه وجلسوا عنده ، فنزل سقراط عن السرير وقعد على الأرض ، ثم كشف عن ساقيه ومسحهما وحكهما ، وقال : ما أعجب فعل السياسة الإلهية ، حيث قرنت الأضداد بعضها ببعض . فإنه لا يكاد أن تكون لذة إلا يتبعها ألم ، ولا ألم إلا يتبعه لذة . وصار هذا القول سببا لدوران الكلام بينهم ، فسأله سيمياس وفيلون « 3 » عن شئ من الأفعال النفسية . وكثرت المذاكرة بينهم حتى استوعب الكلام في النفس بالقول المتقن المستقصى ، وهو على ما كان يعهد عليه في حال سروره وبهجته ، ومرحه في بعض المواضع ، والجماعة يتعجبون من صرامته وشدة استهانته بالموت . ولم ينكل عن « تقصى الحق في موضعه » « 4 » ، ولم يترك شيئا [ من أخلاقه ] « 5 » وأحوال نفسه التي كان عليها في زمان أمنه من الموت وهم [ من ] « 6 » الكمد والحزن لفراقه على حال عظيمة . فقال له سيمياس : إن في التقصي في السؤال عليك « مع مثل هذه الحال » « 7 » ثقلا علينا شديدا ، وقبحا في العشرة ، وإن الإمساك عن التقصي في البحث لحسرة غدا عظيمة ، مع ما [ نعدم ] « 8 » في الأرض من وجود الفاتح لما نريد .
--> ( 1 ) في الأصل « وتخاف » والمثبت من ج ، د . ( 2 ) في ج ، د « فدخل » . ( 3 ) فيلون : [ حوالي 20 ق . م - 50 م ] فيلسوف يهودي سكندرى ، جعل شريعة موسى أساس الفلسفة . وكان يجيد اليونانية وكتب ملحمة عن بيت المقدس . [ سارتون ، تاريخ العلم ج 6 ص 139 ] ( 4 ) في ج ، د « نقض الحق في ما وضعه » . ( 5 ) في الأصل « خلافه » . والمثبت من ج ، د . ( 6 ) ساقط في الأصل . والإضافة من ج ، د . ( 7 ) ساقط في ج ، د . ( 8 ) في الأصل « تقدم » والمثبت من ج ، د .